يا سيدي،
بكلّ صراحة، مع حلول الذكرى السنوية الثانية لرحيلك الأليم وغيابك الثقيل، لم أجد صدقاً أفضل من الحديث أو التحدّث إليك في عليائك ومخاطبتك مباشرة، حيث أنت، ولا أيّ شيء آخر؛ ذلك أنك في مكان تستحقّه، ولا يستحقّه كثيرون، بل يستحقّك، مع الشهداء والقدّيسين، وأنت أيقونة هذا البلد: بلد الشهداء والقدّيسين! وكثيراً ما كنا نردّد بالعامية اللبنانية، ولا نزال: "ضيعان قلبك، ونيّال الجنة فيك"!
يا سيدي،
كم كنت محقّاً في ما كنت تقوله وتفعله! لم تخطئ يوماً في الحساب، ولا في التقدير؛ ولم تُضيّع أبداً البوصلة؛ ولم تتراجع، أو تتخلى، أو تتنازل، عن الثوابت والمسلّمات والمقدّسات والمحرّمات. فكنت مصداق القول والفعل. وقد قمت بصنع وعينا، وصوغه، وتشكيله وإعادة تشكيله. وكنت كالفرقان، تماماً كما الفرقان، ما بين الحقّ والباطل. لقد كنت مع الحقّ، وكان الحقّ معك، حيثما تكون، وكيفما تكون. ولكنني، يا سيدي، لم أعد أستطيع أن أسمع صدى صوتك، أو أشاهد صورة وجهك، أو أرقب بسمة ثغرك، مذ غادرتنا ورحلت، من دون موعد مع الغياب والرحيل، بعد أن كان صوتك ووجهك ومحيّاك وعمامتك، وكلّ ما فيك، هو الملاذ الآمن لنا جميعاً، وهو مبعث الأمل، بالنسبة إلينا، وهو سبيلنا للخلاص والنجاة!
يا سيدي،
لقد عرفنا معك قيمة المقاومة في لبنان ــــــ عندما تكون في ذروة قوتها ومجدها ــــــ في مواجهة العدو الإسرائيلي والتصدّي لاعتداءاته والردّ عليها طيلة سنوات بل عقود من الزمن، حيث كانت المقاومة ـــــ والمقاومة وحدها ـــــ قادرة على حماية الشعب والدفاع عن البلد. وهو الأمر الذي جعلها، بقيادتك التاريخية والاستثنائية، في هذه المكانة وعلى هذا القدر من الأهمية في الداخل والخارج ولدى الصديق والعدو على السواء.
فقد استطاعت مقاومتنا، وهي مقاومتك، تحرير بلدنا وأسرانا. كما تمكّنت من بناء توازن الردع الاستراتيجي الذي فرض على العدو الإسرائيلي الانسحاب والتراجع والتنازل، ذلك أنه لا يفهم ـــــ لم يفهم، ولن يفهم ـــــ سوى لغة القوة ومنطق القوة. وكانت لدى هذه المقاومة معك هذه القوة وذلك الاقتدار.
يا سيدي،
لقد أدركنا أيضاً قيمة المقاومة في لبنان ـــــ عندما تكون مقتدرة ـــــ في صون السلم الأهلي والعيش المشترك وفي حماية الوحدة الوطنية، وفي عدم الانجرار إلى الاحتراب أو الاقتتال الداخلي وعدم الانزلاق إلى الحرب الأهلية؛ إذ إنها تمنع جماعة الخط الإسرائيلي ـــــ وهو خط سياسي وتاريخي موجود في البلد ـــــ من التمادي والتطاول والنيل من الرموز الوطنية والمقدّسات الدينية، كما من ممارسة التحريض لإثارة الفتن الفئوية، الطائفية والمذهبية، في خدمة المشروع الإسرائيلي.
وهي، بذلك، تتصدّى، مرة أخرى، للعدو الإسرائيلي من الداخل، كما في الخارج، على حدّ سواء. فلم تكن الأصوات المسعورة والوجوه القبيحة لأبواق الفتنة والخيانة والعمالة، المرتزقة والمأجورة، من أصحاب الرؤوس الحامية وصغار العقول وضعاف النفوس، تجرؤ على الترويج والتسويق للتطبيع، وسواه من مظاهر الشذوذ السياسي، ولا حتى المسّ بالثوابت الوطنية اللبنانية.
يا سيدي،
لقد ذهبنا معك، بل خلفك وتحت قيادتك، بعيداً على درب المقاومة، المجيدة والمباركة والمقدّسة، وشاهدنا أيضاً كيف أنّ قيمة هذه المقاومة لا تُقدَّر بثمن، بعد أن أسقطت معادلة قوة لبنان في ضعفه، السخيفة والمخزية، وأسطورة "الجيش" الإسرائيلي الذي لا يُقهَر، الواهية والخاوية، ومقولة العين لا تقاوم المخرز، البائسة والتعيسة؛ وأظهرت وأبرزت ـــــ أي المقاومة ـــــ قدرتها على تثبيت موقع لبنان ودوره على الخريطة.
فهي جعلت من بلدنا العزيز والحبيب، الصغير في حجمه ووزنه، ولكن الكبير في قيمته ودوره ورسالته، في قلب وفي صلب المعادلات والتوازنات في المنطقة والإقليم. وجاء كثيرون إليها ـــــ أي المقاومة مجدداً ـــــ وإليكم؛ وبات للكثيرين أهمية وشأن وقيمة، أو حتى ثمن، في هذا البلد، بفعل المقاومة وبفضلها معكم، إلى أن صارت مقاومتنا قوة إقليمية، حاضرة ووازنة وفاعلة، وقوة أساسية، مركزية ومحورية، في البلد، تدور من حولها وعلى إيقاعها عجلة العملية السياسية، بحيويتها، والحياة السياسية، بتناقضاتها.
يا سيدي،
لقد لمسنا معك معنى الشعور بالأمن والأمان، في وطننا، وبين أهلنا وناسنا، في بلد ربما قلّ فيه الإدراك لمثل هذا الشعور بالأمن والأمان. وهو شعور لا يُوصَف، ولا يمكن، لمن يختبره، إلا أن يستسيغه ويستطيبه؛ فلا يمكنه التخلّي عنه بعدها بسهولة، ولا التفريط به، ولا حتى التنازل عنه، بأيّ حال من الأحوال.
فقد كنا ننعم، في ظلّ المقاومة الشريفة والنبيلة، وفي فيء عباءتك الطاهرة والدافئة، بالسكينة والطمأنينة والاستقرار، ليس فقط الاستقرار الأمني والسياسي، ولكن أيضاً الاستقرار النفسي، لوجودك، ومعك وجود المقاومة، التي تردع العدو، وهي ردعت العدو في الواقع والحقيقة، والتي تضرب الإرهاب، في تلك الحقبة الذهبية، ومع تلك المعادلة الذهبية. وكأنك، بشخصك وطلتك وهامتك وهيبتك، تحمي هذا البلد وشعبه، وكذلك المقاومة ورجالها، وبقية المنطقة، من شرور المتربّصين والماكرين والحاقدين والمنافقين والغادرين والمتآمرين والمتواطئين... وما أكثرهم!
أما بعد،
يا سيدي،
لم أجد ما أقوله لك سوى ما كتبته هنا. فلا شيء يفيك حقّك، أو بعضاً من حقّك، علينا. وقد لا يصلح الحديث والكلام في السياسة هنا. كما أنّ السياسة لا تستأهل ولا تستحقّ الذكر أو التذكير في حضرتك وفي حضرة شهادتك العظيمة! وإنّا نشهد ألّا يوم كيومك هذا، كمثل هذا اليوم، في حياتنا، وحتى مماتنا! هو أسوأ وأفظع يوم على الإطلاق! وهو يتخطّى ويتجاوز حدود قدرتنا على إدراكه بوعينا! ولكننا نعاهدك، في مثل هذا اليوم، ألّا سلام مع العدو على دمائك ودماء الشهداء! هذا الأمر لا يجوز ولا يستقيم بمنطق الكرامة الوطنية والحياء الوطني، كما بميزان المصلحة الوطنية!
فدماؤك، ودماء شهدائنا، ليست رخيصة، بل إنها غالية، طاهرة، مباركة ومقدّسة، ولا ثمن لها، أو لا تُقدَّر بأيّ ثمن لدينا. وهي أشرف، وأطهر، وأنقى، وأنصع، وأكبر من أن يجرؤ أحد ـــــ أي أحد ـــــ على الإساءة إليها أو الدوس عليها، لا سمح الله، ولا قدّر الله! هذا وعدنا، وهذا عهدنا. ولك مني كلّ التحية من القلب! والسلام لروحك الخالدة في ذكراك المباركة والمقدّسة، يا سيد المقاومة، وسيد البلد، وسيد الأمة، ويا سيد العقل والقلب والروح!
المصدر: الميادين





تعليقك